مئة عام على السيدة دالواي
الحياة كما تُعاش من الداخل: إعادة اكتشاف فرجينيا وولف
ترجمة : إقبال عبيد
بقلم: هاريش تريفيدي
مئة عام على رواية كلاريسا السيدة دالواي
لا تزال رؤى فرجينيا وولف العميقة في الحياة الداخلية للإنسان تحتفظ براهنيتها اليوم، تمامًا كما كانت عام 1925، حين نُشرت الرواية للمرة الأولى.
«في ديسمبر 1910، أو ما يقاربه، تغيّرت طبيعة الإنسان»؛ هكذا كتبت فرجينيا وولف في مقال نُشر عام 1924. وهو تصريح جريء كثيرًا ما يُنقل على نحوٍ مبتور أو خاطئ، ليُفهم وكأنه إعلان عن تغيّر «الطبيعة البشرية» ذاتها. غير أن هذا الفهم يُفرغ العبارة من معناها الدقيق. فـ«الطبيعة» تشير إلى كيفية تصرّف البشر في الواقع، بينما تشير «الشخصية» إلى كيفية تمثيلهم وتجسيدهم في الأدب. لم تكن وولف تزعم قدرتها على تغيير الإنسان نفسه، بل كانت، بوصفها روائية تجريبية مهتمة بعلم النفس، تعيد النظر في طرائق تصويره أدبيًا، وهو حق إبداعي كامل ضمن مشروعها الروائي.
جاء هذا التصريح في سياق ردّها على انتقادات الروائي التقليدي أرنولد بينيت، الذي رأى في مراجعة لروايتها الثالثة «غرفة يعقوب» (1922) أنها أخفقت في تقديم شخصيات مقنعة. ردّت وولف بالسخرية من أسلوب بينيت، الذي اعتمد على الوصف الخارجي الدقيق للشخصيات: ملابسهم، بيوتهم، وتفاصيل محيطهم المادي. ورأت أن هذا الأسلوب يُوهم القارئ بأن تشييد منزل كافٍ لإثبات وجود إنسان حقيقي يسكنه، بينما يغفل جوهر التجربة الإنسانية الكامن في الداخل.
في عام 1919، قدّمت فرجينيا وولف، في مقال آخر بعنوان «الرواية الحديثة»، تصورًا بديلًا لكيفية تمثيل الحياة وبناء الشخصيات في الأدب. هناك، وجّهت نقدًا صريحًا لأسلوب الواقعية التقليدية القاتمة، متسائلة: «هل الحياة هكذا؟ وهل ينبغي أن تكون الروايات كذلك؟». ثم دعت القارئ إلى النظر إلى الداخل، حيث تبدو الحياة، في حقيقتها، بعيدة كل البعد عن هذا التبسيط. فالحياة، بحسب وولف، ليست مسارًا خطيًا يبدأ بالإفطار وينتهي بالعشاء، بل هي «هالة مضيئة» من الوعي، تتكوّن من وابل متواصل من الذرّات والانطباعات الحسية التي تتساقط بلا انتظام على عقل الإنسان.
انطلقت وولف من هذا التصور لتؤكد أن الحياة الداخلية المراوغة هي المادة الحقيقية التي ينبغي على الكاتب أن يلتقطها ويجسّدها. وفي هذا السياق، أشادت بجيمس جويس وتي. إس. إليوت، اللذين لم يكونا قد نشرا بعد أعمالهما الكبرى، «يوليسيس» و«الأرض اليباب» (1922)، واضعةً إياهما في موقع متقدّم ضمن المشهد الأدبي الجديد. ومع وولف نفسها، سيشكّل هؤلاء الثلاثة ما بات يُعرف لاحقًا بثالوث الحداثة الأدبية، وقد تحوّل بيانها الاستباقي هذا إلى نص مرجعي شبه مقدّس في تاريخ الرواية الحديثة.
بعد «غرفة يعقوب»، حقّقت وولف نجاحًا واسعًا مع روايتها «السيدة دالواي» التي صدرت عام 1925. وبمناسبة الذكرى المئوية لصدورها، ظهرت دراستان بارزتان تتناولان هذا العمل. أولاهما كتاب مارك هاسي «السيدة دالواي: سيرة رواية»، وهو عمل احتفالي يليق بمكانة الرواية، يتتبّع مسيرتها منذ مراحلها الأولى قبل النشر. ويُظهر هاسي حماسًا واضحًا في التقليل من أثر معاصرين مثل مارسيل بروست وجويس على وولف، مفضّلًا تتبّع تطوّر الرواية عبر مخططاتها ومسوداتها المتعاقبة.
تجربة المعاناة
ينتقل هاسي بعد ذلك إلى تتبّع تصاعد شهرة فرجينيا وولف. وكانت نقطة التحوّل الحاسمة هي تبنّيها من قِبل الموجة الثانية من الحركة النسوية في سبعينيات القرن العشرين بوصفها أمًّا روحية ومرجعًا ملهمًا، إلى جانب الانتشار الواسع لرواية «السيدة دالواي» في الثقافة الأمريكية. بدأ ذلك برواية مايكل كانينغهام «الساعات»، الحائزة على جائزة بوليتزر عام 1998، ثم بالاقتباس السينمائي الذي نال جائزة الأوسكار عام 2002، وكلا العملين يحمل العنوان نفسه. وبحلول تلك المرحلة، تحوّلت وولف إلى رمز ثقافي تُسوَّق أعماله وتُستثمر في ترويج منتجات شتى، كما وثّقت بريندا سيلفر في كتابها «أيقونة فرجينيا وولف» (2000).
في المقابل، يقدّم الكتاب الآخر الصادر هذا العام، «الحياة الداخلية للسيدة دالواي»، مقاربة مختلفة تمامًا. فالعنوان نفسه لا يحيل إلى النجاح الثقافي أو الدنيوي للرواية، بل إلى «الحياة الداخلية» التي صوّرتها، والتي كانت وولف تعدّها جوهر مشروعها الأدبي. ويُلاحظ هنا أن إدوارد مندلسون لا يقتصر في تحليله على الحياة النفسية للبطلة كلاريسا دالواي، تلك السيدة الأرستقراطية المتعالية بعض الشيء، التي يحضر حفلها المسائي رئيس الوزراء، بل يوسّع تركيزه ليشمل الشخصيتين الرئيستين الأخريين في الرواية.
إحداهما هي سيبتيموس وارن سميث، جندي الحرب العالمية الأولى، وشبيه كلاريسا الغامض، الذي اعتبر أطباؤه هلوساته العصبية مظهرًا من مظاهر الجنون. وليس هذا بعيدًا عن الواقع؛ فقد شُخّصت وولف نفسها بالجنون أربع مرات خلال حياتها، وانتحرت عام 1941 عن عمر ناهز التاسعة والخمسين، خوفًا من انزلاقها إلى نوبة جديدة. والمفارقة اللافتة أن سيبتيموس يلقى حتفه بالقفز من نافذة، وهي طريقة حاولت وولف اللجوء إليها في وقت سابق دون أن تنجح، قبل أن تُنهي حياتها غرقًا في نهر قريب من منزلها الريفي في ساسكس.
لذلك، يبدو مناسبًا أن يحمل الفصل الأول من كتاب إدوارد مندلسون الموجز عنوانًا ملطّفًا هو «الطب». فهذا الفصل يتناول، في جوهره، ما كان يُسمّى قبل قرن من الزمن ببساطة «الجنون»، ويُظهر إلى أي حدّ كان حتى أمهر الأطباء آنذاك يفتقرون إلى فهم حقيقي لطبيعته، ناهيك عن امتلاك وسائل فعّالة لعلاجه. وقد استثمرت وولف بعض تجاربها القاسية مع هذا المرض في بناء شخصية سيبتيموس، ولا سيما شعورها العميق باليأس الذي قادها إلى التفكير في الانتحار، نتيجة الأساليب القمعية التي اتّبعها الأطباء في التعامل مع حالتها. يعيد مندلسون رسم صورة هذا الارتباك الطبي السائد في زمن وولف، مبيّنًا أثره المباشر عليها، ومكمّلًا تصويرها الروائي لهذه التجربة بقراءة تحليلية لافتة.
مندلسون، على سبيل المثال، إلى أن الطبيب اللندني دبليو. إتش. آر. ريفرز رفض تفسير هلوسات قدامى المحاربين على أنها مجرّد «صدمة قصف»، وهو المصطلح الدارج في ذلك الوقت. فقد رأى أن هؤلاء الجنود يعانون من الكبت النفسي، وأن علاجهم ممكن عبر الحوار، متأثرًا بالأساليب التحليلية التي اطّلع عليها خلال تدريبه مع سيغموند فرويد في فيينا. غير أن مندلسون لا يذكر أن وولف نفسها كانت قد أبدت موقفًا نقديًا حادًا من هذا المنظور الفرويدي؛ ففي مقالها «الخيال الفرويدي» (1920)، رفضت رواية «أم غير كاملة» لجيه. دي. بيريسفورد، التي تناولت الانجذاب العاطفي العميق لابن بالغ تجاه أمه، وهو ما عمّمه فرويد في إطار عقدة أوديب، منتقدةً اختزال الأفراد إلى مجرد «حالات» نفسية.
يركّز الفصل الثاني من كتاب مندلسون، المعنون «الإمبراطورية»، على شخصية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالبطلة كلاريسا، بخلاف سيبتيموس الذي لا تلتقي به قط في الرواية. هذه الشخصية هي بيتر والش، خاطب كلاريسا السابق، العاطفي والمتحمّس، الذي رفضته قبل ثلاثة عقود لتتزوّج بدلًا منه رجلًا عمليًا رتيبًا ومحافظًا، أصبح لاحقًا عضوًا في البرلمان عن حزب المحافظين. بعد انفصالهما، سافر والش إلى الهند موظفًا حكوميًا، حيث تولّى إدارة إقليم «يعادل ضعف مساحة أيرلندا»، ودخل في علاقة مع شابة جميلة من أصول أنغلو-هندية تُدعى ديزي. وعندما عاد في زيارة قصيرة إلى إنجلترا، أخبر كلاريسا بذلك بصراحة، فحرّك هذا الاعتراف مشاعرها القديمة بعمق كافٍ لأن تتمنى، ولو لحظة، أن تطلب منه أن يصطحبها معه.
فن القراءة المتأنية
بدأت المسودة الأولى لرواية فرجينيا وولف بالتركيز على شخصية بيتر، لا كلاريسا كما في النص المنشور لاحقًا. ولم يكن هذا الخيار معزولًا عن سياق وولف الشخصي والاجتماعي؛ فقد خدم زوجها ليونارد في السلك المدني البريطاني في سيلان لمدة سبع سنوات قبل عودته إلى إنجلترا وزواجهما، كما شغل عمّها منصبًا رفيعًا في الهند بوصفه عضوًا قانونيًا في مجلس نائب الملك. كانت الإمبراطورية البريطانية حاضرة في حياة وولف من كل جانب، وكان المجتمع الفيكتوري الأرستقراطي الذي وُلدت فيه مزدهرًا، إلى حدّ كبير، بفضل عائدات تلك الإمبراطورية.
وفي عام 1910، شاركت فرجينيا وولف الشابة في «خدعة دريدنوت»، وهي مزحة عملية شهيرة تنكّرت فيها مع مجموعة من أصدقائها، مستخدمين مكياجًا داكنًا وأزياء متقنة، لتقمّص شخصيات أفراد من العائلة المالكة الحبشية (الإثيوبية)، وخدعوا بذلك البحرية الملكية البريطانية، التي منحتهم جولة رسمية على متن البارجة الحربية «إتش إم إس دريدنوت». تظهر وولف في الصورة المتداولة جالسة في أقصى اليسار. تكشف هذه الحادثة، بطريقتها الساخرة، مدى اختراق الإمبراطورية للحياة اليومية والثقافية في زمن وولف، حتى داخل أوساط النخبة الفيكتورية التي نشأت في كنفها.
وبحكم تركيزه شبه الحصري على الحياة الداخلية، لا يتوسّع إدوارد مندلسون كثيرًا في هذا السياق التاريخي الطويل، لكنه يلفت النظر إلى سطحية موقف كلاريسا من السلطة والإمبراطورية. ففي أحد مشاهد الحفل، تتوقّف كلاريسا باحترام أمام الكرسي الذي جلس عليه رئيس الوزراء، متأملة الأثر الخفيف الذي تركته مؤخرته عليه، بينما تخوض في الوقت نفسه نقاشًا عابرًا عن الهند مع أحد الضيوف الأكثر تحفظًا. يختزل هذا المشهد، في بساطته الساخرة، علاقتها الملتبسة بالسلطة: انبهار شكلي من دون وعي سياسي عميق.
في الفصل الثالث والأخير من كتابه، المعنون «الحب»، يقدّم مندلسون تحليلًا دقيقًا للعلاقات الشخصية في الرواية. ومن هذه الزاوية، تبدو كلاريسا شخصية باردة و«متكلّفة» إلى حدّ ما، على حدّ تعبير وولف نفسها. في المقابل، يكتسب بيتر والش، الذي يحضر في مواضع متعددة من الرواية («بيتر في كل مكان»)، عمقًا إنسانيًا جديدًا يتّسم بالتعاطف. فهو يشغل حيّزًا سرديًا يوازي حيّز كلاريسا، ويجادل مندلسون، على نحو مقنع، بأنه البطل المتجوّل للرواية، بالمعنى الأسطوري نفسه الذي يحتله ليوبولد بلوم في «يوليسيس» لجيمس جويس، أو يوليسيس في ملحمة هوميروس.
يُعدّ مندلسون، أستاذ كرسي ليونيل تريلينغ للعلوم الإنسانية في جامعة كولومبيا، أحد أبرز الباحثين النصّيين في أدب فرجينيا وولف. وهو معروف بدقّته الشديدة، حتى في تتبّع الفروق الدقيقة بين الفواصل والنقاط في طبعات رواياتها المختلفة. وبصفته ناقدًا، يمارس فن القراءة المتأنية بوصفه ممارسة فكرية صارمة وعميقة. وفي هذا الكتاب، يوجّه اهتمامه إلى عبقرية وولف النفسية بوصفها روائية، لا إلى ما يسمّيه توجهاتها السياسية «الواقعة خارج نطاق الرواية».
والمفارقة اللافتة أن فرجينيا وولف، بعد نحو ثلاثة عقود من وفاتها، بدأت تُستعاد وتُحتفى بها، لا بصفتها روائية في المقام الأول، بل كناشطة نسوية جدلية. ويعود هذا التحوّل إلى حدّ كبير إلى كتاب واحد مستند إلى محاضرتين ألقتْهما على طالبات جامعيات في كامبريدج، هو «غرفة تخصّ المرء وحده» (1929)، وهو عنوان تحوّل منذ ذلك الحين إلى شعار ثقافي واسع التداول، حتى بين من لم يقرأوا الكتاب نفسه.






