خمسة دروس روحية من الكوميديا الإلهية لدانتي
ما الذي يحاول دانتي أن يقوله لنا؟
ما الذي يحاول دانتي أن يقوله لنا؟
قد تكون الترجمة العامية لـ«الفردوس» هي ما يدفع الناس أخيرًا إلى قراءته.
بقلم إريك بولسون
ترجمة : إقبال عبيد
تتكوّن الكوميديا الإلهية من أكثر من أربعة عشر ألف بيت شعري، موزّعة على ثلاثة أقسام، لكن القسم الأول، «الجحيم»، هو الذي استأثر بالاهتمام عبر القرون. فقد مال القرّاء، على الدوام، إلى أهوال العذاب أكثر من انجذابهم إلى كمال الجنة. وحين أنجز الرسّام الفرنسي الشهير غوستاف دوريه نقوشه في منتصف القرن التاسع عشر، جسّد هذا الميل بوضوح؛ إذ خصّص تسعةً وتسعين نقشًا من أصل مئةٍ وخمسةٍ وثلاثين لأشدّ مشاهد دانتي أليغييري قتامةً وظلمة.
ولِمَ نلوم عشّاق دانتي على هذا الانحياز؟ فالجحيم يعجّ بشخصيات فاتنة بعيوبها: فرانشيسكا دا ريميني، الزانية الفصيحة؛ فاريناتا، الهرطقي المتعجرف؛ أوليس، الملك المتمرّد؛ وأوغولينو، الأب الذي تحوّل إلى آكل لحوم بشر، فافترس أبناءه. وهناك أيضًا عمّال الجحيم الذين يضمنون سير مملكة لوسيفر بسلاسة مروّعة: شياطين تنفث الرياح، وعمالقة مكبّلون بالسلاسل، ووحشٌ طائر بجسد أفعى ووجه رجل صادق. أمام هذا العالم الصاخب والمخيف، لا يرى معظم القرّاء سببًا وجيهًا للاستمرار في قراءة القصيدة بعد أن يخرج دانتي، مسترشدًا بفيرجيل، سالمًا «ليبصر النجوم من جديد».
في أثناء الفصل الدراسي الماضي، كانت عائلتي تقيم في فلورنسا، مسقط رأس دانتي أليغييري. هناك، شاركتُ زوجتي، وهي متخصصة في اللاهوت، في تقديم ندوة حول الكوميديا الإلهية؛ ذلك العمل التأسيسي للغة الإيطالية، والذي لا يزال حيًّا ومؤثرًا في فهمنا للحياة المسيحية اليوم كما كان على مرّ العصور. أحب أن أشارك هنا بعض الأفكار التي خرجنا بها من نقاشات الصف، إضافة إلى تأملاتي الشخصية. الترجمة المعتمدة أدناه هي ترجمة حديثة مميزة لأنطوني إيسولين، تجمع بين النص الإيطالي الأصلي والترجمة الإنجليزية جنبًا إلى جنب، وهي ترجمة أوصي بها بشدة. ومن هذه الترجمة تنطلق الأفكار الخمس الآتية.
-
يبدأ دانتي بقوله:
«في منتصف رحلة حياتنا، وجدتُ نفسي في بريةٍ مظلمة، لأني ضللتُ عن الصراط المستقيم».
كل من يقرأ هذه السطور الأولى لا يسعه إلا أن يجد نفسه معنيًّا بها. فالجميع، بدرجة أو بأخرى، يضلّ عن الطريق الضيق، ويجد نفسه غارقًا في ظلمة الخطيئة وتشعّباتها. يريد دانتي أن يضع هذه الحقيقة في صلب التجربة القرائية منذ اللحظة الأولى، وأن يدعونا إلى مرافقته في رحلة كبرى عبر الجحيم والمطهر والجنة، لا بوصفها حكاية بعيدة، بل مرآة لخبرتنا الإنسانية.
والقراءة السطحية للكوميديا الإلهية تُفوّت على القارئ جوهر العمل؛ إذ تعمّد دانتي أن ينسج نصه على طبقات متعددة من المعنى، شبيهة بما يُعرف في التقليد الكتابي بـ«المعاني الروحية». فالقصيدة تصوّر، على المستوى الحرفي، رحلة دانتي الجسدية عبر الجحيم. غير أن هذا المستوى، كما تشير دوروثي سايرز في قراءاتها التوماوية الدقيقة، ليس إلا أقل المستويات أهمية. فالجحيم هنا يرمز إلى المصير النهائي للإنسان المنفصل عن الحق، ويمثّل في الوقت نفسه رحلتنا الداخلية نحو السقوط عبر الجهل والخطيئة، قبل أن يبدأ الصعود الشاق على جبل التوبة في المطهر.
وعندما نُسقط هذا المعنى على حياتنا اليومية، تكتسب كلمات دانتي قوة لافتة: «كيف دخلتُ، لا أذكر… متى تركتُ طريق الحق خلفي». فالسقوط لا يحدث فجأة، بل يبدأ غالبًا بشكل خفي، أشبه بالحلم. هكذا ننزلق جميعًا: بخطوة صغيرة، تبدو غير مؤذية، ثم بأخرى، إلى أن نجد أنفسنا عالقين في رذيلة نكاد نعجز عن الفكاك منها. هذا التصور حاضر بوضوح في أعمال سي. إس. لويس، ولا سيما في رسائل سكروتيب والطلاق العظيم، حيث ينصح الشيطان الأكبر تلميذه بألا يبدأ بإغواء المسيحيين بخطايا فاضحة، حتى لا ينتبهوا إلى الخطر فيلوذوا بالله، بل أن يترك الانحدار يتم بهدوء وتدرّج.
ويعيدنا هذا البيت أيضًا إلى حكمة آباء الكنيسة حين علّقوا على كلمات المزمور 137 المقلقة، مؤكدين ضرورة القضاء على الخطايا في بداياتها، قبل أن تنمو وتتحول إلى رذائل متجذّرة يصعب اقتلاعها. ومن هنا، لا يكتفي دانتي بسرد رحلة شعرية، بل يوجّه إلينا سؤالًا شخصيًا مباشرًا: ما الخطايا التي نغرق فيها اليوم؟ وما الشرور الصغيرة في حياتنا التي ينبغي أن نكبحها الآن، قبل أن تبتلعنا؟
٢. النفوس في الجحيم «قد فقدت نعمة العقل».
الغاية القصوى للإنسان، بحسب اللاهوت المسيحي، هي الرؤية السعيدة؛ أي ذلك اللقاء النهائي الذي يتجلّى فيه الله للعقل الإنساني بوصفه موضوع التأمل الأسمى. وكما يوضح توما الأكويني، فإن هذه الرؤية ليست حالة شعورية أو انفعالًا عاطفيًا، بل فعلٌ من أفعال العقل نفسه، إذ يبلغ العقل كماله حين يعرف الله معرفة مباشرة. ولهذا يقول المسيح بوضوح: «هذه هي الحياة الأبدية: أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك». فالحياة الأبدية، في جوهرها، معرفة، لا مجرد خلود.
من هذا المنظور، يصبح الجحيم عند دانتي مأساةً عقلية قبل أن يكون عذابًا جسديًا. فالنفوس الملعونة لا تُحرم السعادة فحسب، بل تُحرم القدرة على المعرفة الحقّة. إنها لا ترى الله، ولا ترى ذاتها كما هي في الحقيقة. فقدان «نعمة العقل» يعني العيش في ظلمة سوء الفهم الدائم، حيث تختلط الرغبة بالوهم، ويُعاد تفسير الشر على أنه حب، والخطيئة على أنها قدر نبيل.
تتجلى هذه المأساة بوضوح في شخصية فرانشيسكا دا ريميني. فهي لا تزال، حتى في الجحيم، تروي قصتها بوصفها حكاية عشقٍ سامٍ، وتصرّ على أنها أحبت، رغم أن كلماتها وسلوكها يكشفان كراهية عميقة لزوجها الذي خانته. إنها عاجزة عن إدراك التناقض في روايتها، لأن عقلها لم يعد قادرًا على الحكم الأخلاقي السليم. وهكذا، لا يكون عذابها الأساسي هو العاصفة التي تعصف بها، بل هذا العمى الداخلي الذي يجعلها سجينة قصتها الكاذبة إلى الأبد.
بهذا المعنى، لا يصوّر دانتي الجحيم كمكان للعقاب فقط، بل كحالة وجودية يتعطل فيها العقل عن وظيفته الأسمى: معرفة الحق، ومعرفة الذات في ضوء الحق. ومن يفقد هذه النعمة، يفقد الطريق، حتى لو ظلّ يكرر، بثقة حزينة، أنه ما زال يحب.
٣. في عالم دانتي، ثَمّة جحيمٌ خاص لمن يرفضون الاختيار.
في ملحمة دانتي أليغييري، لا يُدان الشرّ الصريح وحده، بل تُدان أيضًا منطقة الرماد الأخلاقي: التردّد، والحياد، ورفض الحسم. ويبرز هذا المعنى بوضوح لافت في النشيد الثالث من الكوميديا الإلهية، حيث يفاجئنا دانتي بوضع فئة من النفوس في موضع فريد: خارج الجحيم ذاته، عند عتبته. هناك تسكن «تلك النفوس الحزينة التي لم تستحق أعمالها في الحياة مدحًا ولا ذمًا… الذين كانوا لأنفسهم فقط، لا متمرّدين ولا أوفياء للرب».
هؤلاء ليسوا ملحدين، ولا أعداءً صريحين للإيمان، لكنهم عرفوا مطالب الإنجيل ولم يرفضوها علنًا، وفي الوقت نفسه لم يمتلكوا الشجاعة ليحملوا الصليب ويتبعوا المسيح. عاشوا حياة السلامة الشخصية، اختاروا النجاة الفردية، وفضّلوا الصمت على المواجهة، والحياد على الشهادة. إنهم أولئك الذين لم يقولوا «لا» للحق، لكنهم لم يقولوا له «نعم» أيضًا.
ويكاد هذا المشهد يبدو معاصرًا على نحو مزعج. كم من الناس اليوم يعلنون أنهم «شخصيًا» يؤيدون الفضيلة، ويعارضون شرورًا واضحة، لكنهم لا يتخذون موقفًا، ولا ينطقون بكلمة، ولا يفعلون شيئًا حين يتطلب الأمر ثمنًا أو مخاطرة؟ دانتي لا يساوي بين هؤلاء وبين الأشرار الفاعلين، لكنه يصرّ على أن هذا التخاذل ليس بريئًا، وأن الحياة الأخلاقية لا تحتمل البقاء على الهامش.
أما عقاب هذه «الأرواح البائسة»، فيحمل دلالة رمزية قاسية: فهم يُقضمون بلا انقطاع من الذباب والدبابير، في صورة لعذاب تافه ومهين، لا بطولة فيه ولا مأساة كبرى، بينما تتجه أنظارهم بحسدٍ مرير إلى كل مصيرٍ آخر—مصير من اختاروا الخير أو الشر بوضوح. إنهم يحسدون الجميع، لأن الجميع، على الأقل، اختار.
ولعل أكثر ما يريده دانتي إيلامًا هنا هو هذه الحقيقة الأخيرة: أن هؤلاء «الذين لم يعيشوا قط» ليسوا في الجحيم بالمعنى الحرفي، ومع ذلك يتمنّون لو كانوا فيه. فحتى الجحيم، في منطقه الشعري والأخلاقي، أكرم من حياة بلا موقف، وبلا التزام، وبلا قرار. وهذا، كما يوحي دانتي، قد يكون أسوأ مصير على الإطلاق.
٤. شارون: صورة الخوف الذي يوقظ الضمير
يستدعي دانتي أليغييري في الكوميديا الإلهية شخصية شارون، مُحوِّل الموتى في الأساطير الكلاسيكية، ويمنحها دورًا قريبًا مما عرفتْه الميثولوجيا القديمة، كما يفعل مع كثير من الشخصيات الوثنية الأخرى التي يعيد توظيفها داخل رؤيته المسيحية للعالم. غير أن الدرس الذي يخرج به القارئ من هذا المشهد، في رأيي، بالغ البساطة والحدة في آنٍ معًا، ويكفي أن يقضي المرء دقائق قليلة متأملًا شارون كما صوّره مايكل أنجلو في لوحة كنيسة سيستين ليوم القيامة.
الرسالة هنا لا تحتاج إلى تعقيد فلسفي: اتّقِ الله، واضبط رغبتك، ولا تُقدم على الخطيئة التي تراودك، وإلا فسيكون هذا الرجل في انتظارك. شارون، بعينيه القاسيتين وحركته العنيفة، ليس مجرد عنصر زخرفي أو استعارة شعرية، بل تجسيد صارخ للحظة التي ينتهي فيها التردد، ويُغلق باب العودة، ويُدفَع الإنسان قسرًا إلى المصير الذي اختاره بأفعاله.
والحق أن الواقع الذي تشير إليه صورة دانتي لعبور الشواطئ الكئيبة لنهر آخِرون أشدّ هولًا بما لا يُقاس مما تستطيع أي لوحة أو أبيات شعرية أن تنقله. غير أن هذه الصورة وحدها، بهذا التركيز البصري القاسي، كافية — على الأقل بالنسبة لي — لكبح الإرادة الجامحة، ولو مؤقتًا، وتذكير النفس بأن بعض الرغبات لا تستحق أن يُدفَع ثمنها عند الضفة الأخرى.
٥. أهواؤنا الجامحة كـ«إعصارٍ جهنمي لا يهدأ».
في النشيد الخامس من الكوميديا الإلهية، يقدّم دانتي أليغييري واحدًا من أكثر دروسه النفسية إقناعًا وقسوة في آنٍ واحد: الرغبة إذا لم تُخضع للعقل، تحوّلت إلى قوة عمياء تقذف الإنسان حيث تشاء. فالعقاب الذي يلقاه الشهوانيون ليس في أعمق طبقات الجحيم، لأن فسادهم — كما يلمّح دانتي — ليس بفظاعة فساد من تعطّلت عقولهم وإرادتهم كليًا. ومع ذلك، يظلون في الجحيم، «بلا أمل في الراحة»، تُلقي بهم الرياح العاتية في هواءٍ مظلم، يُجلدون ويُعذَّبون بلا توقف، لأنهم في حياتهم سمحوا لأهوائهم أن تقودهم بدل أن يقودوها.
وما أسهل أن نتعرّف على أنفسنا في هذا المشهد. فكم نترك اليوم أهواءنا تقذفنا من قرار إلى آخر، ونحن نُقنع أنفسنا — بسذاجة لا تقل عن سذاجة فرانشيسكا دا ريميني — بأن علينا اتباع كل نزوة «باسم الحب». ننفصل لأن وهج المشاعر خفت، لا لأن العهد فقد معناه. ونبرّر العلاقات المحرّمة لأن كيوبيد أصابنا بسهمه، وكأننا كائنات بلا إرادة ولا مسؤولية. ونضع أنفسنا، عن وعي أو عن غفلة، في مواقف نكاد نُحكم فيها على أنفسنا بالفشل، تمامًا كما فعلت فرانشيسكا و**باولو** حين ادّعيا البراءة والوحدة وهما يقرآن قصة لانسلوت العاطفية، غير مدركين أنهما كانا يفتحان الباب بأيديهما.
وكثيرًا ما نجد أنفسنا، مثلها، نردّد بعد فوات الأوان: «في ذلك اليوم لم نقرأ صفحة أخرى». خلف هذه العبارة التي تبدو شبه مرحة، يخفي دانتي تحذيرًا بالغ الجدية: بعض الصفحات الأولى تقود حتمًا إلى فصول لا نملك بعدها التراجع. الدرس هنا ليس أخلاقيًا مجرّدًا، بل عمليّ وعاجل: فلنتجنّب منذ الآن ما يقرّبنا من الخطيئة، لا ما يُلقي بنا في قلبها، ولنطلب من الله أن يمنحنا نعمة أن نرى أنفسنا كما يرانا هو، حتى نزداد خوفًا — لا مرضيًا بل واعيًا — من فقدان الجنة، ومن عذاب الجحيم.
تمت







